السبت، 22 أبريل، 2017

قارئٌ وقارئ


سأل سائلٌ ما...عابرٌ..مارٌّ من جانِبِ الضوءْ : 

أمازلتِ تقرئين ؟؟ 

قلتُ لهُ لا ولكن(.......................)
وفتحتُ خزائن الأسئلة خزانة تلو خزانة ،

لأشعل النار في القلبِ .

هل مازالتُ أقرأ يا سيدة ( ج.ب) ؟؟

إني واللهِ لأقرأ وجوهَ الناسِ عابري الضوء ، هاهنا في الصيدلية ، أو هنالك في الزقاقِ الرحب ، أو في محلات بيع الأقمشة ، كما أقرأ 

الكتابَ الذي تقصدين ، لا أقرؤها صفحة ً صفحة ، وأكذب إن قلت أقرؤها سطرا سطرًا ، ولكنني أفتحُ نافذة ً فأطلّ على ما لا أريد ، 

وألقى أحياناً ماأريدْ.

في العالمِ غير البريء ، تعلّم كيف تحبُ طفلاً ، تعلّم كيف تكتبُ قصيدة /

في العالمِ ، هذا العالمِ غير البريء ، تعلّم كيف تنسجُ حُبّاً ، كيفَ تزرع فسيلة .

الأرضُ هي الأرض ، هي التي لا تنسى ، هي التي تحفظ ذاكرة الشهيد الذي توارى تحت الترابِ .

للعالمِ غير البريء إطلاقاً أقول : أشهدُ أننا بشرٌ شوهتناَ المادّة ، أغرقتنا الشياطين ، لوثتناَ أوحالُ الكذبْ.

كن بريئا أيها الطفلُ الجميل ، ياولدي ، يا رحمةَ اللهِ وغياث القلبِ العطشانْ.

السبت، 11 يوليو، 2015

أنْ [ هلُمَّ إلينا ]


أيامٌ يعرف بعضها بعضًا ، وروائحُ حُبٍّ تنفخ في جدران البيتِ ، وصلاةٌ عطشى تسعى لشكرِ النعمِ البيضاءْ ، وللهِ في أيامهِ شؤون وشؤون .

أخبئك بشغفٍ  كما يليق بمقامك ، وأعطف على مسكنك الصغيرِ لا إشفاقا ً عليَّ بل حراسة ً لكَ واطمئنانا عليكْ ، وأوشك ُ أنْ أنسى نفسي وأنا أفكر فيك وأعدّ العدة لمجيئك القريبْ .
لم نتفق أنا وأبوك على اسمك بعد ، ولكنني أناديك في سرّي بالاسم الذي اختاره والدك ، شيءٌ ما يجعل هذا الاسم قريبا من نفسي ، أو كأنه شعور بأني أعرفه منذ زمن بعيد ْ . أيا كان ، سأسميك كبدي قبل كل شيء ، وسأُعرف بعدك بأمّك ْ ، أي أن اسمك سيقترن باسمي مثلما يقترن الحُبّ بمضغة القلبْ ،،

ياااا أنتَ ياصغيرًا أتقوّى ببراءته على نوائب الدهر ، وأستجمع من أجله كل قواي كي أعيش من جديدْ ، هلمَّ إلينا بلحمك وشحمك وعظمك ، بقلبك وسرّك وسريرتك ، بصوتك ،بعينيك ،بتقاسيمِ مُحياك ْ ، هلمَّ إلينا فَينطقَ البيت الهادئ بالذي قد كان مكتوبًا ، وليحفظك الربُ من كل شرٍّ ومن كل عينْ .

هلمَّ فقد شاخ الشبابُ قبل مجيء المشيبْ ، وأبوك رجلٌ طيبٌ يستحق فرحة ً كأنتَ تنسيهِ عرقَ السنينْ,


أنتظرك بشوق .

أمّك.

الجمعة، 20 يونيو، 2014

أعلى قليلاً ، إلى سماءِ الشعر المقدّسة.


بعضهم لا يستطيع تأليف بيتٍ واحد من الشِعر العمودي وتراه يهاجمه وينتصر لقصيدة النثر ، وبعضهم لايكلف نفسه عناءَ قراءة القصيدة النثرية والالتفات إلى أبعادها الجمالية والفنية وتراه متمسكا بـ "النظم" المتحيز كثيرًا إلى القافية والوزن دون ابتكار صور جديدة تشعرك أنك تقرأ لشاعر من العصر الحديث لا من عصورٍ آفلة.
القصيدة الحقيقية الاستثنائية تعيش طويلا في قلبِ القارئ ، وتتجاوز العصر ، ونحن نقرأ للمتنبي ولوركا ومايا آنجلو بمتعة كبيرة كما لو أنهم يعيشون معنا في هذا العصر ، بينما نقرأ عشرات القصائد المتشابهة وننساها بمجرد الانصراف عنها ، إما أن تكون قصائد نثرية تعتمد على التكثيف اللغوي دون الإيقاع الموسيقي الجميل ، فهي إذن قصائد تنقصها لمسة ُ كاتبها الخاصة التي تقول للمتلقي : "توقف..هنا مايستحق البقاء". وإما أن تكون قصائد عمودية تلاحق القافية دون إشغال تلك الفراغاتِ الرهيبة بأفكار وصور شعرية استثنائية وغير متداولة مسبقًا .
يعجبني نزار قباني حين يقول في هذا السياق : " إن شعراء الحداثة أرادوا أن يخلصوا الشعر من التناظر والتكرار ولعبة الخطوط المتوزانة ،فوقعوا في ذات المأزق ..إنهم يتشابهون أسلوبا وأداءً ولغة ، كما يتشابه عشرون توأما نزلوا كلهم من بطنٍ واحد ، فإذا قرأت لواحد منهم أغنتك قراءتك له عن قراءة الباقين".

بعضهم يعتقد أن الشعر العمودي لم يعد صالحاً لهذا الزمن ، وعلى الأرجح هؤلاء يحكمون على المشهد الشعري من خلال وسط ثقافي معين يفرض أصواتًا معينة ويغفل النظر عن الكثير من الجمال المختبئ هنا وهناك ، هم على الأرجح كذلك متعصبون لنثريتهم لسبب أو لآخر ،وهنا بدل أن ينتصروا للحداثة التي يدافعون عنها هم يقعون في مأزق "الانغلاق" الذي يعترف بصوت قصيدة النثر ويدّعي الانفتاح الشعري ولايقبل بالآخَر الذي هو شاعرٌ يرى أن تقليدية القصيدة العمودية التي تتشكل من تفعيلات معينة وقافية لا تعجزها عن خلق عالمها الشعري المميز بالخيال الخصب ورقيّ الفكرة.

الشِعرهو طيران وانفتاح ، وقبول للآخر وإيمان بحريةِ الفكرة قبلَ كل شيءْ.

ولأننا في عصر الرواية ، والشعراء يتحولون يوميا إلى روائيين ،فإن مكان الشعر اليوم يتقزم داخل  مكتبة القارئ ، مابالك بالعامة التي لاتقرأ ،ولا تعنيها اللغة مادام الخبز غير متوفر.؟

والشاعر الذي يستهين بعامة الناس هو شاعر ضالّ ،أضلّه غروره وسيبقى معلقًا على قُبّته العاجية ينتظر موته على رفٍّ ناءٍ في إحدى المكتبات المهجورة ، ألم يقل درويش :

" قصائدنا بلا طعم
بلا لون
بلاصوتِ
إذا لم تحمل المصباح 
من بيت إلى بيت
وإن لم يفهم البسطا معانيها
فأولى أن نذريها
ونخلد نحن للصمت "



وأخيرا ...[ غصّة ] :

هل ستبقى كتبنا المدرسية تلقن تلامذتنا نفس القصائد التي درسناها نحن في المناهج القديمة ؟؟ وماهو البديل لترقية ذائقة الطفل والتلميذ ؟؟ ولمن سيقرأ أطفالنا في المستقبل ؟؟

الأحد، 15 يونيو، 2014








-ما كان لي صديق لأخسره. أصدقائي سقطوا من القطار. عندما تغادر وطنك، تولي ظهرك لشجرة كانت صديقة، ولصديق كان عدواً. النجاح كما الفشل، اختبار جيد لمن حولك، للذي سيتقرب منك ليسرق ضوءك، والذي سيعاديك لأن ضوءك كشف عيوبه، والذي حين فشل في أن ينجح، نذر حياته لإثبات عدم شرعية نجاحك.
الناس تحسدك دائماً على شيء لا يستحق الحسد، لأن متاعهم هو سقط متاعك. حتى على الغربة يحسدونك، كأنما التشرد مكسب وعليك أن تدفع ضريبته نقداً وحقداً، وأنا رجل يحب أن يدفع ليخسر صديقاً. يعنيني كثيراً أن أختبر الناس وأعرف كم أساوي في بورصة نخاستهم العاطفية .
-وكيف تعيش بدون أصدقاء؟
-لا حاجة لي إليهم.. أصبح همي العثور على أعداء كبار أكبر بهم. تلك الضفادع الصغيرة التي تنقنق تحت نافذتك وتستدرجك إلى منازلتها في مستنقع، أصغر من أن تكون صالحة للعداوة،لكنها تشوش عليك وتمنعك من العمل.. وتعكر عليك حياتك. إنه زمن حقير، حتى قامات الأعداء تقزّمت، وهذا في حد ذاته مأساة بالنسبة لرجل مثلي حارب لثلاث سنوات جيوش فرنسا في الجبال.. كيف تريدني أن أنازل اليوم ضآلة يترفع سيفك عن منازلتها؟
-أنت إذن تعيش وحيداً؟
رد مبتسماً:
-أبداً ..أنا موجود دائماً لكل من يحتاجني، إني صديق الجميع ولكن لا صديق لي.

الجمعة، 6 يونيو، 2014


صدِّقْ أنكَ وحيدٌ وَ ممتلئٌ بك َ حدَّ التُخمةِ ، وأنّ القصيدةَ لن تغفر لك َ غيابك َ الباردْ ، وأنَّ البشرَ على صورةٍ واحدةِ تعدّدت كذِبًا في عينِ قلبك َ الطيب.


الجمعة، 30 مايو، 2014

الجمعة، 23 مايو، 2014

ماريو فارغاس يوسا /لماذا نقرأ الأدب ؟

ترجمة: راضي الشمري
مراجعة: فيصل الحبيني.

دائمًا ما يأتيني شخص حينما أكون في معرض كتاب أو مكتبة، ويسألني توقيعًا. إما لزوجته أو ابنته أو أمه أو غيرهم، ويتعذر بالقول بأنها ” قارئة رائعة ومحبة للأدب”. وعلى الفور أسأله: “وماذا عنك؟ ألا تحب القراءة؟”، وغالبًا ماتكون الإجابة: “بالطبع أحب القراءة، لكني شخص مشغول طوال الوقت.”.

سمعت هذا التعبير عدة مرّات، هذا الشخص وبالطبع الآلاف منهم لديهم أشياء مهمة ليفعلوها، التزامات كثيرة ومسؤوليات أكثر في الحياة، لذلك لايستطيعون إضاعة وقتهم الثمين بقراءة رواية، أو ديوان شعر، أو مقال أدبي لساعات. استنادًا إلى هذا المفهوم الواسع، قراءة الأدب هي نشاط كمالي يمكن الاستغناء عنه، لاشك بأنه يهذب النفس ويزودها بالأخلاق الحميدة وبالإحساس بمن حولها، لكنه في الأساس ترفيه، ترف للأشخاص الذين يملكون وقت فراغ. هو شيء يمكن وضعه بين الرياضات أو الأفلام أو لعبة شطرنج؛ وهو نشاط يمكن أن نضحي به دون تردد حينما نرتب “أولوياتنا” من المهام والواجبات التي لايمكن الاستغناء عنها في سعينا الحياتي الشاق.

يبدو بشكل واضح أن الأدب شيئًا فشيئًا يتحول إلى نشاط نسوي. في المكتبات، وفي المؤتمرات الخاصة بالكتّاب، وحتى في كليّات العلوم الإنسانية، نرى بوضوح أن النساء أكثر من الرجال. وهذا الأمر يُفسَّر عادةً أن نساء الطبقة المتوسطة يقرأن أكثر لأنهن يعملن لساعاتٍ أقل، لذلك يستطيع العديد منهن تخصيص وقت أكثر من الرجال لقراءة الكتب التخييلية والتفرغ للوهم. وأنا – بشكل ما – أتحسس من التفسيرات التي تفصل النساء والرجال بتصنيفات جامدة، وتنزع لكل من الجنسين طبعه الخاص ونتائج تترتب من هذه الطباع. لكن مما لا شك فيه أن قراء الأدب في تناقص، وأن غالبية الباقين من القراء هن نساء.
هذا الأمر يحدث في كل مكان تقريبًا، في إسبانيا - على سبيل المثال - كشفت إحصائية حديثة أقامها اتحاد الكتاب الإسبان أن نصف السكان لم يقرأوا كتابًا من قبل. وكشفت أيضًا أن ضمن الأقلية التي تقرأ، النساء اللاتي يقرأن يتعدين الرجال بنحو 6.2%، وهذا الفارق يزداد مع الوقت. أنا سعيد من أجل أولئك النسوة، لكني أشعر بالأسف للرجال، وللملايين ممن يستطيعون القراءة لكنهم اختاروا أن لايقرأوا.

هم يستحقون الشفقة ليس فقط لأنهم يجهلون المتعة التي تفوتهم، بل أيضًا لأني مقتنع بأن مجتمعًا بلا أدب أو مجتمعًا يرمي بالأدب – كخطيئة خفيَّة – إلى حدود الحياة الشخصية والإجتماعية هو مجتمع همجي الروح، بل ويخاطر بحريته. أود أن أطرح تفنيدات لفكرة أن الأدب نشاط للمترفين، وعرضه كنشاط لايستغنى عنه لتشكيل المواطنين في مجتمع حديث وديمقراطي، مجتمع مواطنين أحرار.

نحن نعيش في عصر تخصص المعرفة، وذلك بفضل التطور الهائل للعلوم والتكنولوجيا، وبفضل تقسيم المعرفة إلى وحدات صغيرة وعديدة. وهذا الاتجاه الثقافي سيستمر بالنمو لسنوات قادمة. للتأكيد، فإن التخصص له منافع عديدة. فهو يسمح باكتشاف أعمق وتجارب أعظم وأكبر، وهو محرك التقدم. غير أن له أيضًا عواقبه السلبية. فهو يمحي الصفات الفكرية والثقافية بين الرجال والنساء، والتي تسمح لهم بالتعايش، والتواصل، والإحساس بالتضامن فيما بينهم. التخصص يؤدي إلى نقص في الفهم الاجتماعي، يؤدي إلى تقسيم البشر إلى جيتو1 من التقنيين والأخصائيين. إن تخصيص المعرفة يتطلب بالتالي لغة دقيقة ورموزًا تزداد غموضة كل مرة. وبالتالي، فإن المعلومة تصبح أكثر انفرادية وتشتتًا. هذا هو التخصيص والتقسيم الذي كان يحذرنا منه المثل القديم: “لاتركز كثيرًا على غصن أو ورقة، وتنسى أنهما جزء من شجرة. ولاتركز على الشجرة فتنسى أنها جزء من غابة”. الوعي بوجود الغابة يخلق شعورًا بالجماعة، شعور الانتماء، ذلك الذي يربط المجتمع ببعضه ويمنع تفككه إلى عدد لايحصى من الأجزاء بسبب هوس الخصوصية الأناني بالنفس. هوس الأمم والأشخاص بأنفسهم لم يخلق إلا الارتياب وجنون العظمة، وتشويهًا في الواقع هو مايولّد الكراهية، الحروب، وحتى الإبادات الجماعية.

في عصرنا الحالي، لايمكن للعلم والتكنولوجيا أن يكمل بعضهما الآخر. وذلك للثراء اللامتناهي من المعرفة وسرعة تطورها، والذي قادنا إلى التخصصات وغموضها. لكن لطالما كان الأدب وسيبقى واحدًا من القواسم المشتركة لدى التجربة البشرية، والتي يتعرف البشر من خلاله على أنفسهم والآخرين بغض النظر عن اختلاف وظائفهم، خطط حياتهم، أماكنهم الجغرافية والثقافية، أو حتى ظروفهم الشخصية. استطاع الأدب أن يساعد الأفراد على تجاوز التاريخ، كقرَّاء لثرفانتس، شكسبير، دانتي، وتولستوي. نحن نفهم بعضنا عبر الزمان والمكان، ونشعر بأنفسنا ننتمي لذات النوعية، لأن من خلال الأعمال التي كتبوها، نحن نتعلم مانتشاركه كبشر، وماالذي يبقى شائعًا فينا تحت كل الفروقات التي تفصلنا.

لاشيء يحمي الإنسان من غباء الكبرياء والتعصب والفصل الديني والسياسي والقومي أفضل من تلك الحقيقة التي تظهر دائمًا في الأدب العظيم: أن الرجال والنساء من كل الأمم متساوون بشكل أساسي، وأن الظلم بينهم هو مايزرع التفرقة والخوف والاستغلال.

لايوجد من يعلمنا أفضل من الأدب أننا نرى برغم فروقنا العرقية والاجتماعية ثراء الجنس البشري، ولايوجد ماهو مثل الأدب لكي يجعلنا نكافئ ونمجد فروقنا بوصفها مظهرًا من مظاهر الإبداع الإنساني متعدد الأوجه. قراءة الأدب الجيد هو مصدر للمتعة بطبيعة الحال، ولكنه أيضًا تجربة لنعرف من نحن وكيف نكون، بعيوبنا وبنقصنا، من أفعالنا وأحلامنا وأشباحنا، وحيدين وفي العلاقات التي تربطنا مع الآخرين، في صورتنا العامة الظاهرة لدى الآخرين أو في تجاويف وعينا السرية.

هذا المجموع المعقد من الحقائق المتعارضة – كما يصفها أشعيا برلين – تشكل جوهرًا للحالة الإنسانية. في عالم اليوم، هذا المجموع الضخم والحي من المعرفة في الإنسان لايوجد إلا في الأدب. لم تستطع حتى فروع العلوم الإنسانية الأخرى – كالفلسفة أو الفنون أو العلوم الاجتماعية – أن تحفظ هذه الرؤية المتكاملة والخطاب الموَحَّد. العلوم الإنسانية خضعت أيضًا لتقسيم التخصصات السرطاني، وعزلت تلك التخصصات نفسها في أقسام مجزأة وتقنية بأفكار ومفرديات لايستوعبها الشخص العادي. بعض النقاد والمنظرين يودون تحويل الأدب إلى علم، وهذا ما لن يحصل أبدًا، لأن الكتابة التخيلية لم توجد لتبحث في منطقة واحدة من تجربة الإنسان. وُجدت الكتابة لكي تثري الحياة البشرية بأكملها من خلال الخيال، والتي لايمكن تفكيكها، أو تجزئتها إلى عددٍ من المخططات أو القوانين دون أن تضمحل. هذا هو معنى ملاحظة بروست حينما قال أن “الحياة الواقعية، هي آخر مايكتشف وينوَّر. وأن الحياة الوحيدة التي تعاش بكاملها، هي الأدب”.

بروست لم يكن يبالغ، أو يعبر عن حبه لما يجيد. هو كان يقدم قناعته الخاصة بأن الأدب يساعد على فهم الحياة وعيشها بطريقة أفضل. وأن العيش بطريقة أقرب للكمال يتطلب وجود الآخرين بجانبك ومشاركتهم الحياة.

هذا الرابط الأخوي، الذي ينشأ بين البشر بسبب الأدب، يجبرهم على التحاور ويوعيهم بالأصل المشترك وبهدفهم المشترك، وبالتالي فهو يمحي جميع الحواجز التاريخية. الأدب ينقلنا إلى الماضي، إلى من كان في العصور الماضية قد خطط، استمتع، وحلم بتلك النصوص التي وصلت لنا، تلك النصوص التي تجعلنا أيضًا نستمتع ونحلم. الشعور بالانتماء لهذه التجربة البشرية التراكمية عبر الزمان والمكان هو أعظم إنجاز للثقافة، ولاشيء يساهم في تجددها كل جيل إلا الأدب.

كان بورخيس ينزعج كثيرًا كلما سُئل “ماهي فائدة الأدب؟”. كان يبدو له هذا السؤال غبيًا لدرجة أنه يود أن يجاوب بأنه “لاأحد يسأل عن فائدة تغريد الكناري، أو منظر غروب شمس جميل.”. إذا وُجد الجمال، وإذا استطاع هؤلاء ولو للحظة أن يجعلوا هذا العالم أقل قبحًا وحزنًا، أليس من السخف أن نبحث عن مبرر عملي؟ لكن السؤال جيد بالفعل. لأن الروايات والأشعار لا تشبه بأي حال تغريد الكناري أو منظر الغروب، هي لم توجد عن طريق الطبيعة أو المصادفة، هي إبداعات بشرية. ولذلك فمن اللائق أن نسأل كيف ولماذا أتت إلى العالم، مافائدتها ولماذا بقت كل هذه المدة.

تأتي الأعمال الأدبية – في البداية كأشباح بلا شكل – أثناء لحظة حميمية في وعي الكاتب، ويسقط العمل في تلك اللحظة بقوة مشتركة بين كل من وعي الكاتب، وإحساسه بالعالم من حوله، ومشاعره في ذات الوقت. وهي ذاتها تلك الأمور التي يتعامل معها الشاعر أو السارد في صراعه مع الكلمات لينتج بشكل تدريجي شكل النص، إيقاعه، حركته وحياته. حياة مصطنعة، وللتأكيد، هي حياة مُتخَيلة، صنعت من اللغة، وحتى الآن يسعى الرجال والنساء لتلك الحياة، بعضهم بشكل متكرر، والبعض الآخر بشكل متقطع، وذلك لأنهم يرون أن الحياة الواقعية لاترقى لهم، وغير قادرة على تقديم مايريدون. لاينشأ الأدب من خلال عمل فردٍ واحد، بل يوجد حينما يتبناه الآخرون ويصبح جزءًا من الحياة الإجتماعية عندما يتحول، وبفضل القراءة، إلى تجربة مشتركة.

أحد منافع الأدب للشخص في المقام الأول تكمن في اللغة. المجتمع الذي لايملك أدبًا مكتوبًا يعبر عن نفسه بدقة أقل، وأقل وضوحًا من مجتمع يحمي طريقة التواصل الرئيسية له، وهي الكلمة، بتحسينها وتثبيتها عن طريق الأعمال الأدبية. إنسانية بلا قراءة، ولايصاحبها الأدب ستنتج ماهو أشبه بمجتمع صم وبكم، ناقص الفهم وذلك لعلته اللغوية. وسيعاني من مشاكل هائلة في التواصل نظرًا للغته البدائية. وهذا يقع على مستوى الأفراد أيضًا، فالشخص الذي لايقرأ، أو يقرأ قليلًا، أو يقرأ كتبًا سيئة، سيكون لديه عائق: ستجده يتحدث كثيرًا ولكن المفهوم قليل، لأن مفرداته ضعيفة في التعبير عن الذات.

وهذا الأمر لا يعني وجود قيد لفظي فقط، ولكن أيضًا وجود قيد في الخيال والتفكير. هو فقر فكري لسبب بسيط، لأن الأفكار والتصورات التي يمكن من خلالها فهم حالاتنا لايمكن لها التكون خارج الكلمات. نحن نتعلم كيف نتحدث بعمق وبدقة وبمهارة من الأدب الجيد. لن يجدي أي انضباط آخر في أي فرع من فروع الفن ماعدا الأدب في صناعة اللغة التي نتواصل بها. أن نتحدث جيدًا، أن يكون تحت تصرفنا لغة ثرية ومنوعة، أن نجد التعبير الملائم لكل فكرة ولكل شعور نود أن نتواصل به، يعني بالضرورة أن تكون جاهزًا للتفكير، أن تُعلم، أن تتعلم، أن تناقش، وأيضًا لأن تتخيل وتحلم وتشعر. بطريقة خفية، تردد الكلمات صداها في جميع أفعالنا، حتى تلك الأفعال التي لايمكن أن نعبر عنها. وكلما تطورت اللغة، وذلك بفضل الأدب، ووصلت لمستويات عالية من الصقل والأخلاق، زادت من مقدرة الإنسان على عيش حياة أفضل.

عمل الأدب حتى على صبغ الحب والرغبة والجنس بصبغة الإبداع الفني. لم يكن الشبق ليوجد بدون الأدب. الحب والمتعة سيكونان أسوأ بحيث ينقصهما الرقة والروعة. سيفشلان في تحقيق الحالة القصوى التي يمنحها الأدب. لذلك فإني لا أبالغ حينما أقول أن الثنائي الذي يقرأ لغارثيلاسو، بترارك، جونجورا أو بودلير يقدران المتعة ويعيشانها بخلاف الثنائي الذي صار أبلهًا بمشاهدة الأوبرا الصابونية2 في التلفاز. في عالمٍ أمي، لن يتعدى الحب والرغبة ماترضى به الحيوانات، كما أنها لن تتجاوز الوفاء بالأساسي من الغرائز.

وبطبيعة الحال، لايمكن لوسائل الإعلام السمعية والبصرية أن تعلم الناس كيف يستخدمون الإمكانيات الهائلة للغة بمهارة وثقة. على النقيض من ذلك، تعمل وسائل الإعلام على الحط من قدر الكلمة إلى منزلة أقل بجانب الصورة، والتي تعد اللغة البدائية لتلك الوسائط، وتعمل أيضًا على تقييد اللغة بالتعبير الشفوي إلى الحد الذي لايمكن الاستغناء عنه بعيدًا عن البُعد الكتابي للغة. أن تصف فيلمًا أو برنامجًا تلفزيونيًا بالأدبي فهذه مجرد طريقة لبقة عوضًا عن وصفه بالممل. لهذا السبب، من النادر أن نرى العامة ينجذبون لمثل هذه البرامج. وحسب ماأعرف، فإن الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة هو برنامج بيرنارد بيفوت3 “فواصل عليا” في فرنسا. وهذا يقودني إلى الاعتقاد بأن الأدب ليس فقط متطلَّبًا لمعرفة كاملة باللغة واستخدام أكمل لها، بل أن مصيرها مرتبط بشكل لاينفصل بمصير الكتاب، ذلك المنتج الصناعي الذي يعتبره الكثيرون بأنه قد عفا عليه الزمن.

هذا الحديث يقودني إلى بيل جيتس، كان في مدريد منذ فترة ليست بالطويلة وزار الأكاديمية الملكية الإسبانية، والتي قد عقدت شراكة مع مايكروسوفت. ضمن أشياء أخرى، طمأن جيتس أعضاء الأكاديمية وأكد بأن الحرف “fl” لن يحذف من برامج الحاسب، كان ذلك الوعد يكفل لأربعمائة مليون متحدث بالإسبانية أن يتنفسوا الصعداء بما أن حذف حرف أساسي مثل هذا سيؤدي إلى مشاكل كبرى. على كل حال، بعد تنازله الودي للغة الإسبانية، أعلن جيتس قبل أن يغادر مقر الأكاديمية في مؤتمر صحفي أنه يتوقع تحقيق حلمه الأكبر قبل أن يموت، وهو وضع حد للورق، ومن ثم للكتب.

يرى جيتس بأن الكتب هي أشياءٌ عفا عليها الزمن. وقال بأن شاشات الكمبيوتر قادرة على القيام بمهمات الورق الذي يستطيع عملها. أصر أيضًا أنه بالإضافة إلى كونها أقل مشقة، فشاشات الكمبيوتر تأخذ مساحة أقل، وهي أسهل للتنقل، وأيضًا بأن نقل الأخبار والآداب إلى هذه الشاشات سيكون له فائدة بيئية لإيقاف تدمير الغابات، وأن صناعة الورق هي أحد أسباب التدمير. أكد أيضًا بأن الناس سيستمرون بالقراءة، لكن على شاشات الكمبيوتر، وبالتالي سيكون هناك المزيد من الكلوروفيل في البيئة.
لم أكن حاضرًا خلال خطاب جيتس، وعلمت بكل هذه التفاصيل عن طريق الصحافة. ولو كنت هناك، لأعلنت استهجاني لجيتس كونه قد أعلن بوقاحة نيته إرسالي أنا وزملائي الكتّاب إلى خط البطالة. ولكنت تنازعت معه بقوة بخصوص تحليله. هل تستطيع الشاشة حقًا استبدال الكتاب من جميع الجوانب؟ أنا لست متأكدًا. أنا واعٍ تمامًا للتطور الهائل الذي سببته التكنولوجيا الجديدة في مجال الاتصالات وتبادل المعلومات، وأعترف بأن الانترنت يؤدي لي مساعدة لا تقدر بثمن كل يوم في عملي؛ لكن امتناني لهذه الراحة لايتضمن اعتقادًا بأنه يمكن للشاشات الإلكترونية أن تستبدل الورق، أو أن القراءة بالكمبيوتر يمكن أن تفي للقراءة الأدبية. هذه فجوة لاأستطيع تخطيها. لاأستطيع قبول فكرة أن تحقق القراءة غير الوظيفية، التي لانبحث بها عن معلومة أو تواصل سريع، توفر نفس تلك الأحلام ومتعة قراءة الكلمات مع نفس الإحساس بالحميمية، ومع نفس التركيز العقلي والعزلة الروحية التي يمنحها الكتاب.

ربما يصدر تحيزي هذا لكوني لم أمارس القراءة الالكترونية، وكوني تعاملت بعلاقة أدبية طويلة مع الكتب والورق. لكني على الرغم من أني أستمتع بتصفح أخبار العالم من خلال الانترنت، لايمكن أن أذهب للشاشة لكي أقرأ شعرًا لجونجورا، رواية لأونيتي أو مقال لباز، لأنني موقن بأن أثر تلك القراءة لن يكون مثل القراءة بالورق. أنا مقتنع، بالرغم من أني لاأستطيع إثبات ذلك، بأن مع اختفاء الورق سيعاني الأدب من ضربة مهولة، وربما مميتة. كلمة “أدب” لن تختفي بالطبع، لكنها ستدل على نصوص هي بعيدة عما نسميه أدبًا هذه الأيام، كبعد الأوبرا الصابونية عن مسرحيات سوفوكليس وشكسبير.

لايزال هناك سببٌ آخر لمنح الأدب منزلته الهامة في حياة الأمم. بدون الأدب، سيعاني العقل النقدي، وهو المحرك الحقيقي للتغيير التاريخي والحامي الأقوى للحرية، من خسارة لاتعوض. هذا بسبب أن الأدب الجيد كله متطرف، ويطرح أسئلة حادة عن العالم الذي نعيشه. في كل النصوص الأدبية العظيمة، وغالبًا دون قصدٍ من الكتّاب، توجد نزعة تحريضية.

الأدب لايقول شيئًا لمن هم راضون بما لديهم، لمن يرون الحياة بما يعيشونها الآن. الأدب هو قوت الروح المتمردة، هو إعلان عدم الانقياد، هو ملجأ لمن لديهم القليل جدًا أو الكثير جدًا في الحياة. الشخص منا يبحث عن ملاذه في الأدب حتى لا يكون هادئًا ومطمئنًا. أن تركب جنبًا إلى جنب مع ذلك السائس الهزيل وذلك الفارس المرتبك في حقول لامانشا، أن تبحر على ظهر حوت مع الكابتن آيهاب، أن تشرب الزرنيخ مع إيما بوفاري، أن تتحول إلى حشرة مع غريغور سامسا، هذه كلها طرقٌ اخترعناها لنجرد أنفسنا من أخطاء وإملاءات هذه الحياة الظالمة، هذه الحياة التي تجبرنا دائمًا أن نكون الشخص نفسه بينما نتمنى أن نكون مختلفين لكي نرضي رغباتنا التي تتملكنا.
يهدئ الأدب هذا الاستياء الحيوي للحظات، لكن في هذه اللحظات الخارقة، في هذا التعليق المؤقت للحياة، هذا التوهيم الأدبي ينقلنا لخارج التاريخ، ونصبح مواطنين لأرض لا تنتمي للزمان، وبالتالي هي أرض خالدة. فنصبح أكثر حساسية، وثراء، وأكثر تعقيدًا وسعادة، وأكثر وضوحًا مما نحن عليه في حياتنا الرتيبة. عندما نغلق الكتاب ونتخلى عن الخيال الأدبي، نعود إلى وجودنا الفعلي ونقارنه بالأرض المذهلة التي غادرناها توًا. وياللخيبة التي تنتظرنا! لكن هناك إدراكًا هائلًا ينتظرنا، وهي أن الحياة المتخيَّلة من الرواية أجمل وأكثر تنوعًا، أكثر فهمًا وأقرب للكمال من الحياة التي نعيشها ونحن واعون، تلك الحياة التي تحدها الظروف وضجر الواقع. بهذه الطريقة، نرى الأدب الجيد الحقيقي دائمًا كهدام، كمتمرد، كمقاوم، هو تحدٍ لما هو موجود.

كيف لايمكن أن نشعر بالخداع بعد قراءة “الحرب والسلام” أو “البحث عن الزمن المفقود” ونعود إلى عالمنا ذو التفاصيل التافهة، عالم مليء بالحدود وبالموانع التي تقف بانتظارنا في كل مكان وفي كل خطوة لتفسد خيالنا؟ فوق مهمته لاستمرارية الثقافة ولإثراء اللغة، أكبر مساهمة للأدب في التقدم البشري (دون قصد، وفي معظم الحالات) هي تذكيرنا بأن العالم جُعل سيئًا، وأن من يدعي العكس من الأقوياء والمحظوظين يكذب، وأن الكلمة يمكن أن تُطوَّر وتكون أقرب للعوالم التي يستطيع خيالنا ولغتنا تشييدها. المجتمع الحر والديمقراطي يجب أن يحتوي مواطنين واعين بالحاجة المستمرة للكلمات التي نعيشها ونحاول – بالرغم من أن المحاولة تكاد تكون مستحيلة – أن نجعلها تشبه العالم الذي نود أن نعيشه. وليس هناك من وسيلة أفضل من قراءة الأدب الجيد لإثارة عدم الرضا عما يوجد، وتكوين مواطنين ناقدين ومستقلين عمن يحكمهم، ويمتلكون روحية دائمة وخيالًا نابضًا.

مع ذلك، أن يُسمى الأدب بالتحريض لأنه يحسس وعي المواطن لعيوب العالم لا يعني بالضرورة – كما يبدو أن الحكومات والكنائس تفكر، ولذلك أنشأت الرقابة – أن النصوص الأدبية ستثير اضطرابات اجتماعية أو تسرع نشوء ثورات. لايمكن التنبؤ بالتأثير الاجتماعي والسياسي لقصيدة أو رواية أو مسرحية، لأنها لم تصنع بشكل جماعي من عدة خبراء. تصنع هذه الأعمال من قِبل أفراد وتُقرأ من قِبل أفراد ممن تختلف استنتاجاتهم بشكل كبير عندما يكتبون أو يقرأون. لذلك من الصعب، بل من المستحيل، أن تنتج أنماطًا وردود أفعال دقيقة. فضلًا عن ذلك، قد تكون القيمة الجمالية لعمل أدبي ما سببًا في حدوث القليل من العواقب الاجتماعية. هناك رواية متواضعة4 لهارييت ستاو يبدو أنها لعبت دورًا حاسمًا في تنبيه الوعي السياسي والاجتماعي لفظاعات العبودية في الولايات المتحدة. إذًا، واقع ندرة تأثيرات الأدب لايعني أنها ليست موجودة. مايجب أن نعرفه هو أنها آثار صنعت من قِبل مواطنين تغيرت شخصياتهم جزئيًا بسبب الكتب.

فلنعد صياغة التاريخ بلعبة رائعة. ولنتخيل عالمًا بدون أدب، إنسانية لم تقرأ الشعر ولا الروايات. في هذا النوع من الحضارات الضامرة، بقواميسها الهزيلة التي تحفل بالآهات وإيماءات القرود على حساب الكلمات، من المؤكد أن بعض الصفات لن توجد. وتشمل تلك: حالم دونكيخوتي، مأساوي كافكاوي، سوداوي أورويلي، ساخر رابيلي، سادي، ماسوشي، وكلها ذات أصول أدبية. وللتأكد من ذلك، سيبقى لدينا مجانين، وضحايا جنون عظمة واضطهاد، وأشخاص بشهوة عادية وتجاوزات فاحشة، وأناس منحطين لدرجة الحيوانات يستمتعون بتلقي الألم وتسليطه. لكننا لن نستطيع أن نرى ماهو خلف هذه السلوكيات المتطرفة المحظورة من قبل قواعد المجتمعات، تلك الخصائص الأساسية في الإنسان، لم نكن لنرى السمات الخاصة بنا؛ لذلك نحن مدينون لمواهب ثيرفانتس، كافكا، أورويل، رايبليه، دو ساد، و ماسوش لأنهم استطاعوا كشفها لنا.

عندما ظهرت رواية “دون كيخوته دي لامانشا”، سخر قراءها الأوائل من هذا الحالم المتطرف كما سخرت منه بقية الشخصيات في تلك الرواية. اليوم، نحن نعرف أن إصرار ذلك الفارس ذو الوجه الحزين على رؤية عمالقة بينما كان هناك طواحين هواء، وعلى التصرف بطريقة تبدو سخيفة، هو الشكل الأعلى للكرم، وهو تعبير عن مظاهرة تجاه بؤس هذا العالم على أمل تغييره. مفاهيمنا عن المثالية والمثاليين تفوح بمعانٍ إيجابية ثانوية، لن تكون ماهي عليه، ولن تُحترم وتكون واضحة، لو لم تجسد في بطل الرواية بتلك القوة المقنعة لثيرفانتس العبقري5. يمكن أن يقال نفس الشيء عن الأثنى الصغيرة الأقرب لدونكيخوته، إيما بوفاري، والتي قاتلت بحماس لتعيش الحياة الرائعة من الفخامة والشغف، والتي عرفتها وقرأت عنها من الروايات، كفراشة اقتربت كثيرًا من ضوء اللهب واحترقت بالنار.

تلك الإبداعات لكل أولئك الأدباء المبتكرين العظماء فتحت أعيننا على آفاقٍ مجهولة لحالاتنا البشرية، جعلتنا نستطيع اكتشاف وتفهم الهوة البشرية المشتركة. عندما نقول “بورخيسي”، فإن تلك الكلمة تستحضر فصل عقولنا عن منطق الواقع وتدخلنا إلى عالمٍ مذهل، إلى عقلية دقيقة وأنيقة، غامضة وأشبه بالمتاهة بكل تلك المراجع والإشارات الأدبية، والتي لانشعر بالغرابة تجاه شخصياتها لأننا نتعرف فيها على رغباتنا الخفية وحقائقنا الحميمة الخاصة بشخصياتنا، والذي أخذت شكلها بفضل الإبداع الأدبي للويس خوسيه بورخيس. عندما نذكر “كافكاوي” يتبادر إلى الذهن كميكانيكية التركيز في الكاميرات القديمة، كل مرة شعرنا بها بأننا مهددون، كل مرة شعرنا بأنا أفراد لانستطيع الدفاع عن أنفسنا، بكل أجهزة السلطة القمعية التي سببت الخراب للعالم الحديث، الأنظمة السلطوية، الأحزاب العمودية، الكنائس المتعصبة، البيروقراطية الخانقة. من دون تلك القصص القصيرة والروايات لذلك اليهودي المعذَّب من براغ، الذي كتب بالألمانية وعاش دائمًا على اطلاع، لم نكن لنستطيع فهم الشعور بالعجز لدى الفرد المعزول، أو رعب الأقليات المضطهدة والتي تعاني التمييز، تلك المتواجهة مع القوة الطاغية التي يمكنها سحقهم والقضاء عليهم من دون أن يظهر الجلادون أوجههم حتى.

صفة الأورويلي، وهي الصفة الأقرب للكافكاوي، تعطي تنبيها لتلك السخافة الرهيبة، تلك السخافة التي صُنعت من قِبل الأنظمة الشمولية في القرن العشرين، الديكتوريات الأكثر توحشًا وتعقيدًا في التاريخ، في تحكمهم بأفعال وأحاسيس المجتمع. في رواية 1984، وصف جورج أورويل في جو بارد موحش تلك الإنسانية المحكومة للأخ الأكبر، الحاكم المُطلق، والذي بواسطة مزيج مخيف من الرعب والتكنولوجيا، محق الحريات والمساواة والعفوية، وحول المجتمع إلى خلية نحل من البشر. في هذا العالم الكابوسي، طوِّعت اللغة لصالح السلطة، وحُولت إلى “خطاب جديد”، خالٍ من أي ابتكار وموضوعية، ممسوخ إلى سلسلة من التفاهات التي تضمن عبودية الفرد للنظام. صحيح أن نبوءة 1984 لم تمر حتى الآن، والشيوعية الشمولية في الاتحاد السوفيتي ذهبت مع الفاشية الشمولية في ألمانيا وأماكن أخرى، وبعد ذلك بوقتٍ قصير بدأت تتداعى في الصين، وفي كوبا وكوريا الشمالية اللتين تنتميان للماضي. لكن الخطر لم يُمْح بعد، وكلمة “أورويلي” ستبقى لتصف الخطر، ولتساعدنا على فهمه. عالم من دون أدب سيبقى أعمى عن هذه الأعماق الخطرة، والتي نحتاج أن نراها في أسرع وقت.
عالم غير حضاري، بربري، يخلو من العاطفة وذو خطاب جلف، جاهل ومأساوي، من دون شغف وجلف في الحب، هذا العالم من دون أدب، هذا الكابوس الذي أحذر منه وأرسم معالمه، سيكون سمته الأساسية الانسياق وتسليم عالمي لبني البشر إلى السلطة. بهذا المنطق، سيكون عالمًا حيوانيًا. الغرائز الأساسية لدى الإنسان ستحدد مشواره اليومي باتجاه سد الجوع والشقاء لكي يبقى، ستحدده بالخوف من المجهول وإشباع الحاجات المادية. لن يكون هناك مكان للروح في هذا العالم. وفوق ذلك، رتابة العيش المسحوق ستولد الإحباط وستلقي بظلال شريرة للتشاؤم، الشعور بأن الحياة البشرية ماكان لها أن توجد، وأنها ستكون هكذا دائمًا، وأن لاأحد يمكنه تغييرها.
عندما يتخيل الواحد منا هذا العالم، تقفز إلى ذهنه تلك المجتمعات الصغيرة التي يختلط فيها الدين بالشعوذة، والتي تعيش على هامش التطور في أمريكا الجنوبية وأفريقيا وأوقيانوسيا. ولكن فشلًا مختلفًا يخطر في بالي. الكابوس الذي أحذركم منه لن يكون نتيجة قلة التطور، بل سيكون نتيجة التحديث والتطوير المفرط. نتيجة للتكنولوجيا وتبعيتنا لها، قد نتصور مجتمعًا في المستقبل وهو ممتلئ بالشاشات والسماعات، ومن دون كتب، أو في مجتمع يعتبر الكتب – وأقصد هنا الأعمال الأدبية – ماكانوا يعتبرون الخيمياء: ذلك الفضول القديم، والشيء الذي يُمارس في سراديب ومقابر حضارة الإعلام من قِبل أقلية عُصابية ومضطربة. وأخشى أن هذا العالم المعرفي، على الرغم من ازدهاره وقوته، وهذا المعيار العالي من المعيشة والإنجاز العلمي، من شأنه أن يكون غير متحضر بعمق وسيكون خالي الروح. ستكون إنسانية آلية تركت تلك الإنسانية التي تخلت عن الأدب.

ليس من المرجح، بالطبع، أن هذه اليوتوبيا المروعة سوف تأتي. نهاية قصتنا ونهاية التاريخ لم تكتب بعد، ماسيأتي لاحقًا مرهون برؤيتنا وبإرادتنا. ولكن إن أردنا أن نتجنب فقر خيالنا، ونتجنب اختفاء ذلك الاستياء الثمين الذي يهذب حساسيتنا ويعلمنا التحدث ببلاغة ودقة، فيجب أن نتصرف. وبعبارة أدق، يجب أن نقرأ.


هوامش
1- هو اسم لأحياء اليهود القديمة في أوروبا، والتي كانت توصف بالعشوائية والضيق.
2- هي مسلسلات كانت تعرض على التلفاز، سميت بالصابونية لكثرة إعلانات الصابون التي كانت تتخللها.
3- هو صحافي وإعلامي فرنسي، متخصص في تقديم البرامج الثقافية في فرنسا. ويشغل حاليًا رئاسة أكاديمية الغونكور، صاحبة أرفع جائزة أدبية فرنسية.
4- رواية “كوخ العم توم”، ترجمت للعربية عن طريق منير البعلبكي.
5- يشير يوسا هنا إلى تغير قراءة الناس للأدب عبر الزمن، فتأمل!


هناك موتٌ أكيد في الكلام. دمٌ واضح.
هناك وادٍ وأحجار، وأجسادٌ مستلقية عليها.
هناك قتلٌ، قتلٌ فظيعٌ، في اللغة.
إننا نُقيم في مجزرة!
وكلّما تكلمنا ازداد عدد الجزّارين.
فلنصمتْ إذن، علَّ الصمت يقلّل من الأعداء، علّه يقلّل من هذا الموت. فلنصمتْ، علَّ أحجار الوادي تبقى بيضاء.
في الصمت الأبيض نضع كرسيًّا أبيض ونجلس غير مرئيين. في انعدام الرؤية وجودٌ بهيّ، في انعدام الصوت لغتُنا.
حين لا نرى الآخرين يكونون جميلين حقًا. حين لا يتكلمون، نفهمهم.
في غياب الرؤية و الكلام، وجودٌ موحَّد ولغةٌ موحَّدة.
إنهم رائعون حقًا هؤلاء الغائبون. وواضحون جدًا البكماء. فهل من أجل البشاعة، والضباب، نحضر ونتكلم؟

وديع سعادة / نص الغياب

الاثنين، 19 مايو، 2014

رُبَما...





رُبمَا نلتقي يومًا ما على قارعةِ حرفٍ ماردْ ، وتعرف حتمًا أني ماكنتُ إلا نُدبةً عربية قديمة ً تأصّلت في جبينِ اللغة ،.



الاثنين، 14 أبريل، 2014

الطريق / وديع سعادة

  من أقرب النصوص إلى قلبي ، وأكثرها فتكًا بذاكرتي..

وديع سعادة / الطريق
 
...وحين نأى هدأت الريح.
كان في العاصفة. مقتلَعاً مخلَّعاً مشلَّعاً. رأسه في مكان، يده في مكان، قلبه في مكان، وعبثاً حاول جمع أعضائه.
لم يكن له اسم. سمَّاه بعضهم "منحرفاً" لأن لا طريق له، وسمَّاه بعضهم "هابّاً" لأن لا مقعد له، وسمَّاه بعضهم "غباراً" لأنَّ كلَّ شظيَّة منه في مكان. كانت له أسماء كثيرة استحال جمعها في اسم. كانت له أسماء كثيرة، ولم يكن له اسم.
الذي بلا اسم كان في العاصفة وكانت ترتطم به طيور ميْتة تحملها الرياح وغصونٌ متكسّرة وجمعٌ مرتجف لا يعرفه.
سمع أصواتاً تصرخ: "أيها العالَم ! أيها العالَم !".
ولمستْه جموع، لمسه العالَم، ولم تخرج منه أيَّة قوَّة.
لم يكن هو السيّد، لم يكن هو المصطفى. كان المرتجفَ مثلهم في الريح. وبالكاد خرج منه صوت: " ما جئتُ لأُكمل ولا جئتُ لأنقض، بل أنا النقصان والأنقاض والنقيض". وضيَّع صوته، ولم يبحث عنه، ولا بحث عنه أحد.
الذي لم يكن سيّداً، وبلا اسم ولا صوت، كان يتحدَّث فقط في قلبه.
قال أنا بلا اسم كي أكون كلَّ الأسماء، وبأعضاء متناثرة في كل مكان كي تكون كلُّ الأمكنة مكاني. إن نادى أحدٌ أحداً، أينما كان، أليس عليَّ أنا أيضاً أن أجيب؟ وإن كبا كائن في أي مكان، ألا يجب أن يكون مني شيء هناك كي أحنو عليه؟
قال أنا الكائن هناك، وأنا المنادي هناك، وأنا المجيب والحاني. والغصن المنكسر أمامي كان ضلعاً مني والطير الميْت المرتطم بي كان بعض حياتي. كل الغصون في الشجر هي ضلوعي أيضاً، والطيور على الأرض وفي الجوّ إخوتي. والأحجار، هنا وهناك، عظامٌ لي لم يكتمل نموُّها، فهل أتنكَّر لعظامي؟
هبَّ المنحرف حاملاً معه الشجر والطيور والعظام. لا إلى أرض، لا إلى مكان. هبَّ إلى الشساعة، إلى كل الأمكنة، محمولاً بالعاصفة، وحاملاً السكينة: سكينة الشجر إذ يمتلئ بالتراب. سكينة الطير إذ يمتلئ بالفضاء. سكينة العظْم إذ يفرغ من الجسد.
هبَّ عاصفاً، لكن أينما عصفت الريح به كانت السكينة في قلبه.
مثلهم، نعم، كان مرتجفاً، لكنَّه حوَّل الارتجاف إلى سكينة. ففي أمكنة هناك كان هدوء، وشظاياه التي هناك جلبت الهدوء إلى شظاياه التي هنا.
ثمة سلْكٌ لا يراه أحد، يجعل المقيمين هناك هنا، والمقيمين هنا هناك.
وهو كان هنا، ومقيماً هناك. وكان هناك، ومقيماً هنا.
لا تدعِ النبعَ يغفو. رُشَّ على وجهك من مائه قليلاً فيصحو. وتصحو معه الجبال والوديان التي أوصلته إليك.
خُذِ القطرة بيدك فيصحو الغيم وتصحو السماء.
وإنْ رأيتَ سحْلية لا تنهرْها، اتبعْها، فقد تأخذك إلى الكنز. كلُّ ما تبحث عنه هو لا شيء، سوى وكْر السكينة.
وَضَعَ يده في النبع ورشًّ ماء على وجهه. رشَّ غيماً، رشَّ سماء. وضاع وجهه في الفضاء وانتظر نقطة، كي تعيد وجهه إليه.
ثمة أكثر من وجه في الغيمة. ثمة أكثر من غيمة في الوجه.
وحاول أن يرى.
نظر إلى فوق، ولم يرَ. نظر إلى تحت، ولم يرَ. وحين أغمض عينيه رأى: سحْلية ميْتة.
كان ذلك في الماضي البعيد، حين كان نبع وشجر وغيم وسماء وأرض. كان ذلك في الماضي، حين كانت عيون.
وحين كان للسحْلية وكْر.
كان ذلك حين كانت دروب، وحين كان يمكن أن ينحرف المنحرفُ عنها. وحين كانت غصون الأشجار ضلوعاً، والمنكسر منها، حتى في غابات الأمازون، عظامك.
كان ذلك في الماضي البعيد، الذي لم يكن.
 
هبَّ "الهابُّ" واصطدمت به جموع، ولم يلتفت إليه أحد. لم يسأله أحد سؤالاً، لا عن المحبة، لا عن الزواج، لا عن الأولاد...لم يكن المصطفى ولا السيّد، ولا سفينة له ولا هيكل ولا تلاميذ. ولو سألوه ما كان سيجيب. لم يكن يعرف جواباً. كان يعرف فقط أنَّ الهبوب يجرف كلَّ شيء، الأسئلةَ والأجوبة والكلام، ويصمت.
كان طفلاً في حقل حين هبَّت عليه أوَّل ريح، وسقطتْ ورقة من شجرة أمامه. انتظرَ، علَّ الريح تعود، وتعيد الورقة إلى الشجرة.
ثم رأى الشجرة كلَّها تهوي.
ثم لم يعد يرى أيَّ حقل.
وما بقي للبستانيّ أن يفعل غير جمْع الأوراق وكسور الشجر. ما بقي للبستانيّ أن يفعل غير إحراق بستانه.
وتيقَّن، حينذاك، أنَّ ما يراه في البعيد، أنَّ ما يسعى إليه، هو الدخان.
لكنْ، في ذاك الدخان ورق وشجر. في ذاك الدخان حقول. في ذاك الدخان هو حين كان طفلاً، وهو حين كبر... إنه، الآن، في ذاك الدخان.
إنه هناك، في الدخان الذي يراه في البعيد.
ولا شكَّ معه أيضاً ناسٌ هناك. فالناس ليسوا هنا وهو ليس هنا. فأين يكون وأين يكونون إنْ لم يكن هناك؟
ولكنْ، أين الهناك؟
صُبَّ الناسَ والحقول في كأسك واشربْهما. وصُبَّ نفسك أيضاً واشربْها.
صُبَّ الناس والحقول ونفسك في عينيك واغمضهما، وإلا يضيع الناس وتضيع الحقول وتضيع أنت.
صُبَّ الدخان.
وقلْ للسحْلية التي ماتت قبل أن تصل إلى وكرها: لا كنز في الوكر.
وافرشْ شريط أغانٍ على الغصون، فلعلَّ الأشجار تغنّي.
رأيتُ شجراً يفتح فمه. رأيتُ أوراقاً تصفّق، وغصوناً تطلع من الرماد، وترقص... هناك، في البعيد، حيث كان يستلقي قلبي.
أريد قدماً لهذا القلب. هذا القلب يريد أن يرقص مع الشجر.
صُبَّ الترابَ في شرايينك واخترعْ قدماً. صُبَّ تراباً واخترعْ شجراً ورقصاً.
صُبَّ تراباً. فإنْ ترمَّد الشجر، قد تبزغ نبتة من ترابك. قد تبزغ شجرة.
وإنْ خلوتَ من شريط غناء، قد يأتي عصفور يحطُّ عليها، ويغنّي.
 
بعضهم سمَّاه "المنحرف". بعضهم سمَّاه "الغبار". وبعضهم سمَّاه "الماحي"...
محا "الماحي" قدمه ومضى بلا قدم.
لم تكن هناك طريق. استنسخَ من حذائه طريقاً.
لم يكن هناك شجر. استنسخَ من ضلوعه جذوعاً وأغصاناً. ومن أنفاسه استنسخ ريحاً عائدة، كي تعيد الورقة إلى الشجرة.
حين رأى الريح تُسقط الورقة أمامه انتظر وبكى، لأنَّ الريح لم تَعُد ولم تُعِد الورقة إلى غصنها... ويحزن الآن لأنَّ دموعه لم تكن حينذاك مطراً، فلعلَّ الورقة كانت شربت قبل أن تموت.
صُبَّ دمعاً في كأسك صُبَّ مطراً على ورقٍ ميْت.
صُبَّ شجراً، من ضلوعك.
 
استنسخَ طريقاً من حذائه.
وطوى الطريق، طيَّة طيَّة، ووضعها في جيبه.
وصار، عوض أن يمشي على الطريق، يمشي في ثنايا ردائه.
لم تكن هناك طريق، ولا حذاء له ولا ثوب. لكن قال ذلك كي يكون له مشي.
لم يكن له شيء. كان له القول فقط. كان له القول، والمشي في القول.
وقطعَ الدروب كلَّها مشياً على الكلام.
لا تلفظِ الكلمة الأخيرة، لا تقلْ الكلمة التي في آخر الطريق. قد يسمعها أحد في أوَّل الطريق ولا يعود يمشي.
وإذ تطوي الطريق وتضعها في جيبك، تيقَّنْ أنْ لا أحد ماشٍ عليها. هكذا يخفُّ حمْلك.
وهكذا لا تزعج الماشين.
وإنْ أردتَ رفيقاً، فأيُّ رفيق أعزُّ من وحدتك؟
امشِ على الكلام. امشِ على اللهاث الذي يخرج من فمك.
وسترى في لهاثك طريقاً، وشجراً أيضاً.
امشِ في ثنايا ردائك. امشِ على الطريق المطويَّة في جيبك.
بين لهاثك وثوبك طريق، ويمكنك أن تمشي عليها العمر كلَّه.